حسن الأمين
325
مستدركات أعيان الشيعة
والجزائية وغيرها ، وما لم يهتدوا إلى اسم له في العربية نقلوه بلفظه كالتلغراف ولغزتة « للجريدة » والفابريقة « للمعمل » والمدالية « للوسام » والقنال ( 1 ) « للنهر الصغير غير الطبيعي » والماكنة والماكنيست « لصاحبها » ، والجاندرمة والشيفرة « للمترجم » ، والبوستة والقونسل والجناستيق والاستاتيستيق « للاحصاء » والبانق « للمصرف » والترامواي والقوزموغرافيا والقرانتنه « لدار العزل الصحي » وغيرها مما لا يحضرنا الآن . أن التعليم والترجمة وما سمى « الصحافة » نهضت في البلاد العربية في نصف القرن الأخير نهوضا سريعا ، فترجمت الكتب العلمية والكتب الفنية والكتب الأدبية للتعليم والتدريس ، وانتشرت الصحافة في البلدان العربية بجرائدها ومجلاتها ونشراتها الأخرى ، فنقلت ألوان المعارف ، ومختلف الفنون حتى الشؤون العسكرية والبلاغات الحربية ، فضلا عن الأخبار السياسية والأنباء العالمية والحوادث البشرية ، وكان من غريب ما حدث في هذا الأمر أن كثيرا من النقلة والمترجمين اغتروا بمعرفتهم اللغات الأعجمية كالفرنسية والإنكليزية والألمانية والإيطالية ، ولم يتقنوا اللغة العربية ولا تبحروا في علم مصطلحاتها ومولدها ، فترجموا الكلمات العلمية والألفاظ الفنية كيفما اتفق لهم ، إلا إفرادا أقلاء كجمعهم ( 2 ) ، لا يجوز لنا أن ننكر إحسانهم للنقل وفضلهم فيه ، وكان واجبا على المسيئين للترجمة والنقل أن يتقنوا العربية كما أتقنوا اللغة الأعجمية ، ولكنهم استهانوا بالعربية - قاتلهم الله - مع اعتماد شطر من أرزاقهم عليها ، فجاءت ترجمتهم شوهاء ورهاء مرهاء . وتسمح أهل الصحافة وتساهلوا في كثير مما ينشرونه ، في نحو العربية وصرفها وبيانها ، لأن من عادتهم السرعة ، فضلا عن إسراعهم النقل والترجمة ، فشاعت تراكيب ركيكة ومصطلحات فجة ، ان جاز أن تسمى مصطلحات ( 3 ) وفشا الفساد في العربية ، وخصوصا ما ترجم إليها مما يسمى « الروايات » أي القصص والحكايات ، وشاع استعمال الناشئة للفاسد من التراكيب والمساء استعماله من الكلم ، كقولهم « كم هو جميل وكم هي جميلة ؟ » بدلا من « ما أجمله وأجمل به وما أجملها وأجمل بها ، وما كان أجملهما ! » و « الرتل الخامس » بدلا من « الرسل الخامس » و « هدف إلى الغاية » بدلا من « رمى إليها واستهدفها ( 4 ) وتوخاها وقصد إليها » و « استهتر بالقانون » بدلا من استهان وتهاون به ، وخالفه وخرج عنه وتعدى حدوده ، مع أن الاستهتار بالقانون هو العناية به والتمسك به كل العناية والتمسك ، ولا يزال هذا الفساد مستداما ، حتى أصبحنا نسمع من يقول « فلأن يسافر أمس وفلان يجتمع أمس هو وفلان » أو يقول عصرا « الرئيس يؤدي صلاة الجمعة في المسجد الفلاني » مع أن صلاة الجمعة تصلي قبل العصر ، باستعمال المضارع الذي لا صلة له بالماضي ، للزمن الماضي البحت ، كان المضارع إذا جاز استعماله لهذا المعنى في لغة أعجمية وجب أن يستعمل كذلك في العربية ، وكذلك القول في « عكس رغبات الشعب » ويراد به « أعرب عنها وصورها ومثلها وأبانها وأوضحها وحكاها » مع أن العكس هو القلب والنكس ورد الأول على الآخر والجذب يضغط إلى الأرض والصرف ، فهذا من التعابير الإفرنجية التي لا نسيغها ولا تسوغها العربية ، أرأيت لو تعلم الناشئ أن « عكس مقصده » يعني أعرب عنه وصوره ثم قرأ قول جمال الدين محمد بن سالم الحموي القاضي الفيلسوف : « وفي المحرم من هذه السنة ( 572 ه ) توفي القاضي كمال الدين الشهرزوري وعمره ثمانون سنة ، وكان في الأيام النورية إليه قضاء القضاة والتحكم في الدولة ، وكان السلطان الملك الناصر ( صلاح الدين يوسف بن أيوب ) متولي الشحنكية بدمشق أيام نور الدين ( فكان كمال الدين يعكس مقاصده ويكسر أغراضه ويعترض عليه في أموره ) لتوخي كمال الدين الأحكام الشرعية فلما صار الملك الناصر إلى ما صار إليه من الملك وافتتح دمشق صار كمال الدين أحد قضاة بلاده ، ولم يؤاخذه على ما صدر منه في حقه بل أكرمه وأحترمه ، واستشاره وعظمه » . ( 5 ) فإنه يفهم من قوله « يعكس مقاصده ويكسر أغراضه » عكس ما أرادوا ، وضد ما قصدوا ، فما ذا يفعل ؟ ومن ذلك قولهم ، « كان يحارب ضد العدو » يريد أنه « كان يحارب العدو » فاستعملوا كلمة « ضد » التي ظنوها جائزة في اللغة الأعجمية ، فأدت الجملة ضد معناها ، لأن من معاني الضد « العدو » فإذا حارب عدو العدو ، صار مصافيا ومسالما للعدو وموافقا وموائما لا مقاوما له . وما من أحد ينكر أن « باب المجاز والاستعارة » مفتوح في اللغة العربية قديما وحديثا ، ولا يضيرها أن تستعير من اللغات الأخرى مجازات جليلة واستعارات جميلة ، على شريطة أن لا تكون نابية منافية لطبيعتها ، مباينة لأذواق أهلها ، عسيرة على مداركهم . ولقد اقتبست عربية العصر جملة مجازات واستعارات من عدة لغات ، وشاعت فيها لكونها سائغة ، جميلة الخيال ، رشيقة المعنى . وفي أثناء ركود العربية وضمورها وتخلف العرب في العلوم والفنون والآداب ، استحدثت في الغرب ألوف آلات ومئات أدوات وآلاف اختراعات ، وعشرات ابتداعات ، وبعثت الغربيين على وجدان أسماء لطائفة منها واشتقاق أسماء لطائفة أخرى أو تركيبها ، ومن الواجب أن يذكر هنا أن اللغات الأعجمية تركيبية واللغة العربية اشتقاقية ، فالمخترعات والمبتدعات والمستحدثات الغربية الأخرى يغلب على أسمائها التركيب وشبهه وهو النحت ، والنحت هو أخذ اسم واحد من كلمتين بعد طرح ما يمكن طرحه منهما للتخفيف ، وما وجد من النحت في العربية نزر جدالا يتعدى ما ورد في النسب وقلما يخرج عن الشعر كقولهم « فلان العبشمي وفلان العبسقي » نسبة إلى عبد شمس وعبد القيس ، وقد جاء العبشمي في قول الشاعر : وتضحك مني شيخة عبشمية كان لم تري قبلي أسيرا يمانيا ! ومن الباحثين من لم يعلم أن اللغة العربية اشتقاقية فيلوي بلسانه ، ويتشدق ببيانه ، هازئا بمن لا يعد النحت من خصائص العربية ، وإنما حمله على هزئه جهله لطبيعة اللغة العربية ( 6 ) ، وكل ما ثبت عندنا من النحت عدة رموز
--> ( 1 ) فاتهم أن يضعوا له كلمة « القناة » العربية فإنها جاء في أحد معانيها بمعنى القنال الفرنجية . ( 2 ) الأفراد جمع قلة للفرد ، وإن كان مخالفا للقياس الذي وضعوه ، من كون « فعل » الصحيح الأحرف لا يجمع على أفعال ، إلا ما شذ كفرخ و [ أفراح ] أفراخ وزند وأزناد ، إلا أن واقع الاستعمال وكثرة الأمثال نقضا هذه القاعدة . ( 3 ) يشترط في المصطلح أن يتفق عليه عارفان أو أكثر منهما ، ولا يجوز للواحد وحده أن يسمى ما يستعمله هو نفسه مصطلحا ( 4 ) ورد » استهدفه « في نهج البلاغة على رواية قياسا على وجود » مستهدف « اسم مفعول ، في الكتاب المذكور ، راجع مجمع البحرين للطريحي . ( 5 ) مفرج الكروب في أخبار بني أيوب « 2 : 49 - 50 نشر الدكتور جمال الدين الشيال بالمطبعة الأميرية المصرية بالقاهرة سنة 1957 » . ( 6 ) راجع كتاب « دراسات في فقه اللغة العربية ص 307 » .